bin1.gif

السلام عليكم

 في ذلك الكتاب لا ريب نقرأ هذه الآية « ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى » سواء كانت دابة في الأرض أوطائرا يطير بجناحيه، لكن أين الإنسان من هذه الهداية ؟هذا الإنسان الذي لم يكن ملَكا، وإنما جعله الله رجلا،  لكنه أساء الاختيار ، وذلك حين فضل المتغيرات على الثابت! فاختار: إما أن يكون رجل مال، أورجل أعمال.

  وإذا كان الرب عز وجل قسم بين الناس الأخلاق كما قسم بينهم الأرزاق، ذلك أن الأخلاق غير ثابتة، وكذلك الأرزاق هي أشبه بالمضغة، والمضغة في المنطق القرآني قد تكون مخلقة وغير مخلقة، « ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما أنفسهم ». لذا نجد أن القرآن لا يذكر كلمة النعمة إلا ويذكر قبلها كلمة مشتقة من كلمتي التمام أو الكمال، « اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي « 

 وفي خطابه لمحمد رسول الله : « ويتم نعمته عليك » كما يخاطب يوسف عليه السلام « ويتم نعمته عليك كماأتمها على أبويك من قبلُ إبراهيم وإسحاق » ماجعل رسول الإسلام يقول محذرا: « اطلبوا على قضاء الحوائج بعزة الأنفس » وإن عزة الأنفس هذه تتطلب منا إحاطتها بنوع من الدراسة والتحليل . »فأما اليتيم فلا تقهر. وأماالسائل فلا تنهر. »

   واليتيم هنا بمعناه الحقيقي هو النفس التي تبناها الروح والجسد

   والسائل هو العقل الذي يقف ما ليس له به علم، وعند ئذ تتصدق النفس، بما في النفس من فجور وهوى وحب الشهوات، والعقل كذلك يسأل وإن أوتي بكل ما سأل فلا يزال مدى الدهر يكون سائلا ، فالروح  إذن في طريقهما (يعني طرق النفس والعقل) أحوج إلى خير كثير  » ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا » وَايِ نَكْ « وما يذكرإلا أولو الألباب!! » فتبقى المسألة مسألة الحرية والعبودية ،عبودية لله ولله وحده ، فيصبح الإنسان من ذلك حرا ومعتقا من قيود المال والأرزاق، وهذا دون رِهن مقبوض،  ومعنى كل هذا هو أن إضافة الإنسان بالفقر إلى ربه أفضل من إضافته بالغنى إلى سائله .

    فالفقير شاهده الرحمان ، والغني شاهده الناس « كالذي ينفق ماله رئاء الناس  » فالرب الأعلى إذن يعطي الأولوية أو يعطي الأسبقية لروح المسألة ولا يعطيها لكثرة الدنانير أو قليلها، وذلك عند ما تكون الكثرة أقرب إلى باب الفقر. ياأيها الذين آمنوا يقول ياأيها الذين آمنوا ولا يقول ياأيها الأغنياء! كُنْ نَكْ ياأيها الذين آمنوا « أنتم الفقراء إلى الله « .

  إذا ولد المولود يقبض كفه دليل على الحرص المركب في الحي، وبسطها عند الممات مواعظا: « ألا فانظروني قد خرجت بلا شيء.!! »

   فالمِلكية الإلهية إذن مقسمة إلى أقسام:

   مِلك استحقاق لمن يستحقها.

   ومِلك أمانة لمن بيده أمانة.

 ومِلك وجود لمن هو موجود  من الله عز وجل.

   في الأولى يقول عز وجل على لسان إبراهيم ربي « الذي خلقني فهو يهدين. والذي هويطعمني ويسقين.وإذا مرضت فهو يشفين. »

 وفي الثانية يقول عز من قائل: « وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه.

 وفي الثالثة يقول: »وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ».

 فالإنسان في حياته الطويلة أو القصيرة تكون غالبا حاجته مرتبطة مابين عينيه، وعندئذ قد يعده الشيطان بالفقر ويأمره بالفحشاء.ولكي ينجو الإنسان من تلك الحرب العدوانية مع الشيطان فرض الله عليه الزكاة، وفرض عليه الصدقة، كيما تكون الصدقة رمح صدق في نحور البخل والشح، « والصلح خير »وأحضرت الأنفس الشح  » « ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون »

  فالصدقة إذن صدقات : صدقة الشكر، أو صدقة الحاجة،أوصدقة القرض، « من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له » فإن الله عز وجل هوالذي وعد بتضاعف الأجر دون مبلغ القرض، وليس على العبد إذن أن يُقرضه لأجل التضاعف، بل لأجل الأمر، « خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها  » سيما هناك فرق بين الأجر والجزاء، فالأجر دنيوي، ويقال في نفع دون ضر . « لاتبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ».

  أما الجزاء: فإنه يقال في النفع كما يقال في الضر معا » وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا » وآية اخرى: « فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا »

وهناك جزاء وفاق، وهناك أيضا الجزاء الأوفى.

  أماالأجر سواء كان أجر العاملين، أو أجر المصلحين، أوأجر المحسنين، أوأجر من أحسن عملا، فإنه يتفاوت قدرا ومقدارا، إما أجر كبير، وإما أجر عظيم، وإماأجر كريم، وإما أجر غير ممنون، « ن والقلم ومايسطرون* ماأنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون *وإنك لعلى خلق عظيم * »

  فالأجر الممنون هو الذي جمع بين أجر الفضائل وأجر الفرائض، (الجمع بين أجر الفرائض وأجرالفضائل )فالوظائف النفسية إذن مقدمة على الوظائف العملية، وقد روي أن نبي الله داوود كان يخرج متنكرا يطوف في الآفاق يسأل الناس عن سيرة داوود فيهم، فتعرض له جبريل على صورة الآدمي، فسأله عن سيرته، فقال له جبريل: نعمَ الرجل داود، ونِعمَ السيرة سيرته، غير أنه يأكل من بيت مال المؤمنين، ولايأكل من كد يده.! فيرجع داود باكيا متضرعا في محرابه، يسأل ربه أن يعلمه صنعة يأكل منها. « وعلمناه صنعة لبوس لكم » بُولِجِيكِتْ « وألنا له الحديد أن اعمل سابغات »  وعلى هذا الأساس كانت الأولوية تعطى للشرع، لأن الشرع أعلم بمصالح الناس فيما هو مغيب عنهم لأمور آخرتهم، ولقد قيل أن هارون الرشيد قال لشقيق البلخي حين دخل عليه: أنت شقيق الزاهد؟ فقال له أما شقيق، فنعم، وأما الزاهد فيقال لي. فقال له الرشيد: عظني ، فقال لهارون ياأمير المؤمنين: « إن لله دارا سماها جهنم، وجعلك بوابا لها، أعطاك بيت مال، وسيفا قاطعا، وسوطا موجعا، وأمرك أن ترد

الخلق من هذه الدار، بهذه الثلاث، فمن أتاك من أهل الحاجة فأعطه من هذا البيت، ومن تقدم إلى نهي الله فأوجعه بهذا السوط، ومن قتل نفسا بغير نفس أوفساد في الأرض فاقتله بهذا السيف، فإن لم تفعل فأنت السابق والخلق تابع لك إلى النار »

  وكي لايزعم الزاعمون أن لهم حقا فوق حقوق البشر،كان رسول الإسلام {ص} يقول: »إني والله لاأعطي  أحدا، ولاأمنع أحدا، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت »

  وقد كان من عادة الأمراء، إعطاء الشعراء من بيت مال المسلمين، إما خشية من ذمهم، أو طمعا في مدحهم، وحين جاء عمر بن عبد العزيز منع تلك الهبات مالم يكن لهم حقا كحق السائل والمحروم، وهكذا يرى الباحثون في الاقتصاد الإسلامي إعادة النظام في مال المسلمين، وذلك حذرا من عدم الإساءة باستخدام مال الله، كما أساؤا الاستخدام بخلافة الله، وشريعة الله، سيما وقد أدركنا عصرا فشل فيه المعسكر الشيوعي، كما فشل فيه المعسكر الرأسمالي ، ذلك أن المعسكرين يرون أن من يملك الثروة فإنه يملك القوة والسلطان، ماجعل القرآن يحذر أصحاب الثروات بقوله: « كي لايكون دولة بين الأغنياء منكم »ومعنى هذا هو أن بالمال أيا كان مصدره حلالا أو حراما (يعني من هذا المال) ينضبط ميزان العدل، وإنه ليس من المعقول إلقاء الرشوة وإبدالها برشوة مثلها، « ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا *….ثم يطمع أن أزيد * » كلا وكلا، « ولاتؤتوا السفهاء أموالكم » فيقول السيد الرسول: » كل ماشئت، والبس ما شئت، ما خطِئتك اثنتان: سرف أو مخيلة ». « إن الله لايحب كل مختال فخور »

  والمختال هو الذي يجعل طعام الواحد يكفي للاثنين،وطعام الأربعة يكفي للثمانية.فإن لله عزوجل فضلا ومكرا متقابلين وجها لوجه، بالفضل يحاسب الظواهر، وبالمكر يحاسب البواطن، وإن شرف المال والجاه والثروة شرف عال لا يتعدى أفواه الناس، وقد يمر مر السحاب، وقد يزول إما بشكل أو بآخر، ومهما تكن اليد عاملة، فإنها إن أضحت عابثة ، فمصير صاحبها ويل وخسران، « أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا »

  وإذا كانت اليد العليا خيرا من اليد السفلى، فليس معناها الفوقية أوالتحتية، ولكن معناها من تلك النيات، وذلك بإخلاص الطرفين، يقول الإمام الغزالي : « مثل الإنسان في عمره كمثل رجل كان يبيع الثلج  وقت الصيف، (والثلج بضاعة مزجاة) ولم يكن له شيء سواه، فأصبح ينادي ويقول: ارحموا من رأس ماله يذوب » سيما وإن الجمع بين الدنيا والآخرة كالجمع بين الناروالماء، ومن أراد أن تكون ناره بردا وسلاما فليذهِب إحدى الحسنيين كُنْ نَكْ  » تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لايريدون علوا في الأرض ولا فسادا »

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

pas de réponses

Laisser un commentaire

mythologie |
jamaa |
iletaitunefoi |
Unblog.fr | Créer un blog | Annuaire | Signaler un abus | la beauté de l'islam
| eva75
| وجهة...